الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

161

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الصوم للصحيح من الجوع والعطش المعتادين ، بحيث يسبب له أوجاعا أو ضعفا منهكا أو تعاوده به أمراض ساكنة أو يزيد في انحرافه إلى حد المرض أو يخاف تمادي المرض بسببه . وهذا قول مالك وأبي حنيفة والشافعي على تفاوت بينهم في التعبير ، وأعدل العبارات ما نقل عن مالك ؛ لأن اللّه أطلق المرض ولم يقيده ، وقد علمنا أنه ما أباح للمريض الفطر إلّا لأن لذلك المرض تأثيرا في الصائم ، ويكشف ضابط ذلك قول القرافي في الفرق الرابع عشر إذ قال : « إن المشاق قسمان : قسم ضعيف لا تنفك عنه تلك العبادة كالوضوء والغسل في زمن البرد وكالصوم ، وكالمخاطرة بالنفس في الجهاد ، وقسم هو ما تنفك عنه العبادة وهذا أنواع : نوع لا تأثير له في العبادة كوجع إصبع ، فإن الصوم لا يزيد وجع الأصبع وهذا لا التفات إليه ، ونوع له تأثير شديد مع العبادة كالخوف على النفس والأعضاء والمنافع وهذا يوجب سقوط تلك العبادة ، ونوع يقرب من هذا فيوجب ما يوجبه » « 1 » . وذهب ابن سيرين وعطاء والبخاري إلى أن المرض وهو الوجع والاعتلال يسوغ الفطر ولو لم يكن الصوم مؤثرا فيه شدة أو زيادة ؛ لأن اللّه تعالى جعل المرض سبب الفطر كما جعل السفر سبب الفطر من غير أن تدعو إلى الفطر ضرورة كما في السفر ، يريدون أن العلة هي مظنة المشقة الزائدة غالبا ، قيل دخل بعضهم على ابن سيرين في نهار رمضان وهو يأكل فلما فرغ قال : إنه وجعتني إصبعي هذه فأفطرت ، وعن البخاري قال : اعتللت بنيسابور علة خفيفة في رمضان فعادني إسحاق بن راهويه في نفر من أصحابه فقال لي : أفطرت يا أبا عبد اللّه قلت : نعم أخبرنا عبدان عن ابن المبارك عن ابن جريج قال : قلت لعطاء : من أي المرض أفطر ؟ قال : من أي مرض كان كما قال اللّه تعالى : فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً وقيل : إذا لم يقدر المريض على الصلاة قائما أفطر ، وإنما هذه حالة خاصة تصلح مثالا ولا تكون شرطا ، وعزي إلى الحسن والنخعي ولا يخفى ضعفه ؛ إذ أين القيام في الصلاة من الإفطار في الصيام ، وفي هذا الخلاف مجال للنظر في تحديد مدى الانحراف والمرض المسوغين إفطار الصائم ، فعلى الفقيه الإحاطة بكل ذلك ونقربه من المشقة الحاصلة للمسافر وللمرأة الحائض . وقوله : أَوْ عَلى سَفَرٍ أي أو كان بحالة السفر وأصل ( على ) الدلالة على الاستعلاء ثم استعملت مجازا في التمكن كما تقدم في قوله تعالى : عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ [ البقرة : 5 ]

--> ( 1 ) « الفروق » للقرافي ( 1 / 118 ) ، عالم الكتاب .